محمد جمال الدين القاسمي
394
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
العواقب الحميدة والغايات المطلوبة . فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله . قال محمد بن جرير الطبري : وقوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول : إن ربي على طريق الحق يجازي المحسن من خلقه بإحسانه والمسئ بإساءته . لا يظلم أحدا منهم ولا يقبل منهم إلا الإسلام له والإيمان به . ثم حكي عن مجاهد من طريق شبل بن أبي نجيح عنه إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال : الحق . وكذلك رواه ابن جريج عنه . وقال فرقة : هي مثل قوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] ، وهذا اختلاف عبارة . فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته . وقال فرقة : في الكلام حذف تقديره : إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم عليه . وهؤلاء إن أرادوا أنّ هذا معنى الآية التي أريد بها . فليس كما زعموا ولا دليل على هذا المقدر . وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل وبين كونه على صراط مستقيم . وإن أرادوا أنّ حثه على الصراط المستقيم من جملة كونه على صراط مستقيم ، فقد أصابوا . وقالت فرقة أخرى : معنى كونه على صراط مستقيم أن مردّ العباد والأمور كلها إلى اللّه لا يفوته شيء منها . وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس كذلك . وإن أرادوا أن هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه وموجبه ، فهو حق . وقالت فرقة أخرى : معناه كل شيء تحت قدرته وقهره في ملكه وقبضته . وهذا وإن كان حقا فليس هو معنى الآية . وقد فرق شعيب بين قوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [ هود : 56 ] ، وبين قوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] . فهما معنيان مستقلان . فالقول قول مجاهد . وهو قول أئمة التفسير . ولا تحتمل العربية غيره إلا على استكراه . وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز : أمير المؤمنين على صراط * إذا اعوجّ الموارد مستقيم وقد قال تعالى : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 39 ] ، وإذا كان سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعهم على الصراط المستقيم في أقوالهم وأفعالهم فهو سبحانه أحق بأن يكون على صراط مستقيم في